المواضيع | Calendar | أبحث |
| المنتدى العام | |
| |
نسخة قابلة للطباعة
|
| الكاتب | الموضوع |
|
طلحة جبريل
Senior Member
انضم: 01 March 2007 الردود: 171 |
![]() الموضوع : السودان أصبح بلداً بلا أدباءPosted: 05 July 2007 at 12:48pm |
|
السودان.. أصبح بلداً بلا أدباء
طلحة جبريل أدباء السودان على قلتهم، وتميزهم أيضاً، تركوا الأدب وراحوا يكتبون في السياسة. في ظني أن هذه هي إحدى مظاهر الأزمة السياسية في بلادنا. الأدب مرآة المجتمع، وحين لا يوجد مناخ ابداعي، فإن ذلك يعني أن الأمور في غاية السوء. القحط الأدبي لا تداويه كتابات سياسية. في ظل مشاكلنا المتفاقمة هناك من يعتقد أن مشكلتنا هي مشكلة هوية، عندما نحل هذه المشكلة سنحل مشاكل هذا السودان، ولعل من مفارقات الزمان، أن أول من فكر في موضوع الهوية هم الأدباء وليس السياسيون أو المفكرين والباحثين. كانت ثمة محاولة في الستينيات قام بها أدباء لإيجاد هوية للإنسان السوداني وبالتالي لأدب هذا الإنسان. كان رأيهم أن المبدع السوداني طالما هو «عربي وافريقي» فإن الحل يكمن في «جماع بين الغابة والصحراء». كانت تلك المحاولة في واقع الأمر نتاج أسئلة مقلقة، أسئلة حائرة حول صياغة هوية لأدب عربي بعمق أفريقي. حاولت تلك الثلة من الأدباء أن تخلق تزاوجاً طبيعياً بين حالتين جغرافيتين هما في الوقت نفسه حالتان للإبداع. لم يجد أولئك الأدباء كبير عناء ليقولوا لنا إن هذا الأدب العربي والإفريقي هو بالضبط يمثله اللقاء الطبيعي بين «الغابة والصحراء»، لذلك حاولوا الترويج لفكرة «جماع الغابة والصحراء» واجهتدوا كثيراً لتصبح وعاءً أدبياً وهوية أيضاً. في تلك الفترة كان الطيب صالح قد كتب روايته ذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال»، وربما التقط أولئك الأدباء بعض الأفكار حول هذه العلاقة بين العروبة والأفريقية، بين الغابة والصحراء، مبثوثة في ثنايا رواية جعلت اسم «السودان» يرتبط بأديب أكثر من كونه رقعة جغرافية تضم شعباً وتشكل لهم وطناً. لعل أولئك الأدباء، أو ربما بعضهم، شدهم ذلك الوصف الاستثنائي، حين كتب الطيب صالح على لسان مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال يقول: "نعم، هذا أنا، وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي إفريقي يمور بطفولة شريرة". لكن تلك المحاولة، أي خلق علاقة أدبية على أساس اتصال بين «الغابة والصحراء» بدت غير ذات معنى في سنوات لاحقة عندما أصبح الأدب نفسه يتخلّص من قيوده المحلية في كل مكان وينزع نزوعاً كونياً. يمكن "للصحراء" أن تظل ملهماً أساسياً للمخيلة الأدبية وترفد الأدب بمكنوناتها، كما يمكن "للغابة" أن تعكس واقعاً إبداعياً وتصبح جزءاً أصيلاً من الأدب الكوني، وبالتالي يمكن أن نعد وول سونيكا النيجيري واحداً من أبرز مائة كاتب في القرن العشرين، والطيب صالح كذلك واحداً من أبرز مائة كاتب في تاريخ البشرية، كما قرر ذلك الدانماركيون، واحد إفريقي «غابوي» إذا جاز التعبير، وهو يجوز في دلالته الإبداعية، وآخر افريقي يحسب على الثقافة العربية، إذا جاز التوصيف، وهو يجوز أدبياً. الغابة كمكان وبسبب الصراع بين الإنسان والطبيعة، جعلت الإبداع يتمحور حول الموسيقى والرقص. الغابة تعني -أيضاً- الغموض وضيق المكان على اتساعه، لذلك الإبداع في الغابة يركز على تحرر الجسد. يتجلى ذلك عبر إيقاعات قوية صاخبة، تتمثل في قرع طبول تئن وترن، الغابة تعلو فيها الأصوات. صوت الحيوانات. صوت الرياح في صراعها مع الأشجار. صوت المطر المنهمر والبرق والرعود. صوت اندفاع المياه في الأنهار، كل ذلك يجعل من الإبداع له سمة التماهي ما بين المبدع وما حوله. وهو ما يجعل أصوات المبدعين ونبراتهم في أفكارهم أكثر قوة ولها صدى. أما الصحراء، وربما بسبب الإتساع والأفق المترامي، فقد خلقت إبداعاً لغوياً لذلك ظلت الصحراء هي الفضاء الملهـم للأدب العربي على وجه التحديد. بعض الناس يتساءلون لماذا كل هذا الإحتفاء بالصحراء، يتساءلون كيف تكون كثبان الرمال والماء الذي يبدو سراباً والهجير والريح ملهماً بل كيف يمكن أن تكون اللاحياة في الصحارى هي بالضبط الحياة عند المبدعين، وحتى في الليل كيف يكون الظلام الدامس في الصحارى أو النجوم البعيدة جداً مادة للإبداع كذلك. الجواب على هذه التساؤلات توجد في النصوص وليس خارجها، في ظني أن الصحراء ليست بالضبط حيوات (جمع حياة) تزخر بأشياء تلهم المبدعين، بل هي مكان يجعل الأدباء يتأملون.. ويذهب هذا التأمل إلى حدوده القصوى إلى حد البحث عن أجوبة كونية، ومن خلال عملية البحث تتولد العملية الإبداعية. إن جذور الأدب العربي تعود إلى هذا الإتساع المترامي أي الصحراء. ربما أوحى كل ذلك لثلة الأدباء التي حاولت أن تجعل من لقاء الغابة والصحراء في بلادنا، هوية للحاضر واستشرافاً للمستقبل. لكن الواضح أن تلك «الهوية» سقطت لاعتبارات كثيرة. طغت السياسة على الاعتبارات الأدبية. وأصبح الصراع السياسي نفسه في بعض جوانبه هو صراع "بين الغابة والصحراء". وعندما تمزّق ذلك الثوب الذي أراد بعض أدبائنا أن تتدثر به الثقافة السودانية، أكلت السياسة ما تبقى من الأدب. هكذا لم يعد هناك أدباء أو شعراء بل وحتى نقاد في وزن وقامة أدباء الستينيات. ولعلني أقول، لكن دون إطلاق، ربما لم يظهر في بلدنا شعراء في وزن محمد الفيتوري وجيلي عبدالرحمن وتاج السر الحسن ومحيي الدين فارس والهادي آدم وصلاح أحمد إبراهيم وآخرون، وفي مجال القصة والرواية بقي الطيب صالح لوحده هناك في قمة القمم، وغطى بظله على ما عداه من روائيين وقصاصين. لكن قطعاً هناك محاولات، وأعمال إبداعية، بيد أنه لسوء حظها وحظ القارئ، لم تصادف نصيباً من الإنتشار، ربما بسبب ضعف حركة النشر في بلادنا، وأيضاً بسبب تقصير الإعلام في عالمنا العربي الذي ظلمنا كثيراً، أقول ذلك وأنا على دراية بحجم وفداحة الظلم. الإبداع في رأيي يمر من ثلاث مراحل: النقاء الذاتي للمبدع. ثم مرحلة الصورة الذهنية والإندماج معها، ثم تجسيد ذلك في صورة محسوسة، هذا هو كما يبدو الطريق للإبداع الأدبي، وفي هذه المراحل لا بد من حريات تجعل الإبداع يعطي وينطلق ويرتاد كل الآفاق. في بلادنا شاهدنا كيف كان هامش الحرية يضيق مع كل نظام شمولي (أربعة عقود من الأنظمة الشمولية حتى الآن) حتى لم تعد الأنظمة تحفل أصلاً بشيء اسمه الثقافة والفكر والأدب، وعندما أصبحت الخرطوم عاصمة «الثقافة العربية» لم يجد منظمو فعاليات تلك السنة ما يسدون به الفراغات، سوى الغناء والموسيقى. الغناء والموسيقى ابداع راق، وأظن هو ما تبقى من وسائل التعبير التي يلجأ إليها السودانيون في جميع الأوقات للترفيه عن أنفسهم وبعض الأحيان لتزجية الوقت وفي حالات أخرى لتثقيف أنفسهم أيضاً. لكن الموسيقى والغناء لا يمكن وليس مطلوباً منها أن تملأ الفراغ الثقافي والأدبي. وشعب بلا أدب ولا ثقافة هو قطعاً شعب بلا روح وبلا ضمير. وفي ظني، إن على المبدعين السودانيين أن يبحثوا عن صيغة جديدة بدلاً من تلك الصيغة التي أرادوا من خلالها تحقيق هويتهم، وأعني «جماع الغابة والصحراء» والتي طحنتها التطورات السياسية. وأن يكف الأدباء عن الكتابة السياسية اليومية، ذلك أن قارئ هذا النوع من الكتابات سيتحامل قطعاً عليهم، إن جمهورنا القارئ يصفق عادة للكلمات التي يريد سماعها وليس للكلمات التي ينبغي له سماعها. الأديب يفترض أن يكتب عن المجتمع في صيرورته، وحتى لو كان مقلاً ذلك أفضل من تبديد الجهد في الكتابات السياسية السريعة. إن الأديب يحاسب على رداءة أدبه لا على قلته، ليس هناك غضاضة أن يظهر لدينا أدباء متميزون في فترات قد تطول، المبدعون عادة يظهرون في حياة الشعوب خلال فترات متباعدة، لذلك يكونون أحياناً أمة في كاتب. إذاً، لا بد من صيغة تجعل من كتابة الأدباء في السياسة ترفاً فكرياً وليس بديلاً عن الإبداع. في اعتقادي أن حالنا وأحوالنا تحتاج إلى ملايين الأبيات الشعرية وآلاف القصص والروايات. عن جريدة "الصحافة" 5 يوليو عدل بواسطة Talha.Gibriel - 05 July 2007 at 12:49pm |
|
IP Logged |
|
|
||
أذهب الى منتدى |
You cannot post new topics in this forum You cannot reply to topics in this forum You cannot delete your posts in this forum You cannot edit your posts in this forum You cannot create polls in this forum You cannot vote in polls in this forum |
|
الأراء والأفكار التي تطرح في جميع منتديات الجالية سواء كانت من ضيوف المنتدى أو أعضاء الجالية أو أعضاء اللجنة التنفيذية لا تعبر عن موقف الجالية انما تعبر عن أصحابها فقط |
||
|
|
||