تكون وزيراً في السودان
أن تكون وزيراً في السودان
أن تكون وزيراً في السودان
ان تكون وزيراً في السودان
طلحة جبريل
talha@talhamusa.com
الشفافية هي ذي الكلمة التي احتاجها بالضبط لابدأ هذا المقال.
توقفت عن الكتابة بضعة اسابيع بسبب ملابسات لا أجد ما يفيد في سرد تفاصيلها. لكن ذلك لا يمنعني من تأكيد ان الكاتب قد يضطر الى ان يكف عن الكتابة حتى لا يكتب ما لا يعتقده، او ان يكتب فقط لان مطلوب منه ان يكتب، ومن حق الصحيفة ايضاً ان لا تنشر اذا كان هامش الحرية لا يتيح. وفي الحالتين كل يستعمل ما هو متاح له. ولا اجد غضاضة في ذلك.
ساحتاج الى كلمة الشفافية ايضاً خارج هذا السياق. سياق مناقشة قضية التوزير في بلادنا.
منذ فترة لفت انتباهي كتاب صدر بالفرنسية. هذا الكتاب يشتمل على اسماء جميع الوزراء المغاربة في الحكومات المتعاقبة منذ استقلال البلاد في مارس عام 1956. ورتبت الأسماء في الكتاب، حسب الحروف الابجددية وبالأقدمية، وامام كل وزير بضعة أسطر حول المهام التي تولاها. وعدد الوزراء المغاربة الذين تقلدوا هذا المنصب منذ الاستقلال ليس كبيراً، إذ انه وبفضل استقرار الاوضاع السياسية في ذلك البلد، شارك وزراء في أكثر من حكومة.
ولا اعرف اذا كان لدينا سجل مماثل، لكن اظن انه من الضروري ان نتوفر على كتاب يشتمل على اسماء الوزراء الذين تقلدوا هذا المنصب، منذ ان شكل اسماعيل الازهري اول حكومة وطنية في فترة الحكم الذاتي، وسيكون مجدياً اذا كتبت حيثيات كل وزير والحزب والجهة التي ينتمي اليها. وبعض التيارات السياسية تقول الآن إن جهات معينة هي التي استأثرت بأكبر عدد من الوزراء منذ الاستقلال وفي مختلف الحكومات المتعاقبة. ما مدى صحة ذلك؟ اظن ان هذا الرصد ربما يأتينا باجابات شافية.
ولعلني لا أتجاوز اذا قفزت من سجل يرصد الوزراء الى ما هو أعمق وابعد من ذلك، الى المواصفات المفترضة في الاشخاص الذين يمكن ان يتولوا الوزارة. في تقديري أن هناك خمس مواصفات هي التي حددت من يدخل نادي الوزراء في جميع الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال، وأيضاً من يقف عند أبواب هذا النادي، وكذلك الذين كان عليهم ان لا يقتربوا من النادي اصلاً، لانههم غير مطلوبين وليسوا مرغوبين، حتى لو كانت تجتمع فيه جميع المواصفات، وبالتالي لن تمنح لهم بطاقة عضوية. والمواصفات الخمس هي كالتالي ودون ترتيب:
* أن يكون الشخص من المقربين "للزعيم" او "الرئيس" قرابة عائلية او سياسية، وفي بعض الاحيان لعبت حتى القرابة المزاجية دورها.
* ان تفرضه توازنات او تحالفات حزبية داخلية، لا علاقة لها بقدراته او كفاءته.
* ان يكون من التكنقراط الذين ابانوا عن تفوقهم في مجالهم، بغض النظر عما اذا كان هذا التفوق يمكن ان يجعل من صاحبه صانع قرار على مستوى هيئة تنفيذية تتحكم في مقاليد الأمور، أم لا.
* ان يكون من الذين يشغلون وظيفة في قمة الهرم الهيكلي للوزارة التي ستسند له.
* ان يدخل الوزارة من باب الصدفة.
ساكتفي بواقعة واحدة حول صدفة جاءت بشخص الى الوزارة، على الرغم من أن وزراء الصدفة وفي عهود مختلفة يمكن أن يشكلوا حكومة كاملة.. كان جعفر نميري كلما يضيق به الخناق ويشعر ان الازمات تحاصره، يعتقد ان حكومة جديدة هي الحل. وكان الرجل لا يكل ولا يمل من تشكيل الحكومات، ومن حسن حظه ان الواقفين قرب باب نادي الوزراء كانوا بلا حصر، خاصة ان التخريب في عهده لم يقتصر على الاوضاع السياسية والاقتصادية، بل شمل كذلك تخريب النفوس. وفي احدى زياراته الخارجية قيل له إن هناك كفاءة سودانية جيدة تعمل في الخليج، وان عليه الاستفادة منها، ولم يكن الرجل يعرف كيف يوظف كفاءات الناس لافتقاره هو نفسه للكفاءة السياسية. وكان الباب الوحيد الذي امامه هو باب نادي الوزراء، لذلك دأب على تعيين كل من يسمع بكفاءته وزيراً. وكان الشخص الكفء الذي تردد اسمه امام مسامعه هو الفنان التشكيلي ابراهيم الصلحي. وعاد نميري من جولته الخارجية وطلب استدعاء «صالحين» ليؤدي أمامه القسم وزيراً للاعلام. وفي ذهنه انه استدعى «الصالحي». وهكذا اصبح محمد خوجلي صالحين وزيراً للاعلام، بسبب ذاكرة مثقوبة لم تحقق ولم تدقق.
ويقال لنا الآن إن بلادنا مقبلة على تجربة ديمقراطية تعددية، ومن يأتي عن طريق صندوق الاقتراع هو الذي سيحكم. إن شكوكاً كثيرة تساورني حول إمكانية ان يتحقق ذلك. ولكن لنفترض ان المطر بالفعل سيهطل من أسفل الى أعلى. اليس جديراً بنا ان نحدد الآن مواصفات اخرى غير المواصفات الخمس لدخول نادي الوزراء. في ظني ان لا القرابة من الرئيس او الزعيم، ولا التوازنات الحزبية الداخلية، او التفوق العلمي في مجال ما ، ولا التدرج الوظيفي، وقطعاً ليست الصدفة هي التي يمكن ان تصنع وزراء.
الوزير منصب سياسي، ولن يكون ابداً ولا يجوز له ان يكون غير ذلك، لذلك في ظل نظام ديمقراطي تعددي لا بد أن تكون للوزير رؤية للتعامل مع واقع مجتمعه، وحتماً لا بد أن يكون صاحب مشروع أياً كانت منطلقاته الفكرية وتوجهاته السياسية، طالما ان الناخبين اختاروا حزبه ليحكم، ولا بد ان يكون الرجل واضع الخطط وليس الشخص المشغول بالتفاصيل. وليس مهماً بل وليس مطلوباً، ان يستوعب الوزير الجوانب الفنية في القطاع الذي يديره.. هذه هي بالضبط مهمة التكنقراط. وهناك بعض الدول الاوروبية تحدد لكل وزير سبعة مستشارين وفي بعض الاحيان "12" مستشاراً يعينهم الوزير في مكتبه، وهم من اصحاب الكفاءات. وفي البرتغال وهي ليست من الدول الأوروبية المتطورة اذا قورنت مع المانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا، يكون راتب وتعويضات هؤلاء المستشارين أعلى من راتب الوزير، وحتى في الولايات المتحدة ثمة أمثلة على هذا النظام. الوزير يتخذ القرار السياسي، لذلك هو الذي يجب ان يحاسب امام المؤسسات التشريعية وامام الرأي العام، والمستشار يتخذ القرار الفني.
وفي ظل نظام ديمقراطي وتعددي، الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني هي التي يجب أن تتحول الى معامل لتفريخ الكفاءات السياسية، والجامعات ومراكز البحوث، هي التي يجب أن ترفد السلطة التنفيذية بالمستشارين.
ولا شك أن السياسي هو الذي يعبر عن الأفكار، سواء اقبل أو أحجم عنها الناس. والسياسة مهنة ودور وليست وظيفة، وذلك لأن كل شخص يقبل على العمل العام ويدخل ميدانه، يصل إلى هناك ومعه حمولته الثقافية كاملة فيها المؤثر بالبيئة والتربية والقيم الموجهة، وفيها المكتسب بالعلم والمعرفة والتذوق، وفوقها المتراكم بالتجربة مع الحياة والناس والظروف. وقيمة السياسي تتأتى ويكون الحكم عليها بالأهداف العامة وبالأداء اليومي وبمقدار ما يضيف أي سياسي من جهد ينجح وينفع مجتمعه.
وفي ظني بهذه المواصفات، يمكن أن يتسع نادي الوزراء للجميع، وبهذه الكيفية يمكن أن نبني أحزاباً عصرية، تتصارع وتتنافس بأفكارها ورؤاها امام الناخبين، وتكون هي بالفعل مصنعاً لتفريخ القيادات السياسية.
إن طبيباً ناجحاً لا يعني أن يكون وزيراً للصحة، ومهندس بارز لا معنى أن يكون وزيراً للاتصالات او الكهرباء، واقتصادي مرموق ليس بالضرورة هو مشروع وزير للمالية، وإعلامي متمكن قد لا يصلح قطعاً وزيراً للإعلام.
عن جريدة "الصحافة" 23 اغسطس