ححححح
حكاية المركز والهامش بين كريمة وابوحمد ..والابيض والقضارف
طلحة جبريل
talha@talhamusa.com
في هذه الفترة المحفوفة بالشكوك حول النوايا والغايات في بلادنا، ربما يبدو أن التسكع على أرصفة التاريخ أكثر أماناً من التزاحم في وسط مجراه الخطر. لكنني ومنذ البداية اخترت المجرى الخطر، عندما ارتأيت أن الكتابة لقارئ داخل الوطن، مجدية ومفيدة بل واجبة.
في الآونة الأخيرة طرق سمعي كثيراً حديث يعلو ويخمد، يقول إن عمق مشكلة السودان يكمن في مسألة تغول "مركز" على «هامش». وفي بعض الأحيان يقال «السودان النيلي والسودان غير النيلي». الذين يطرحون هذه الفكرة يقولون إن المشكلة تكمن في أن هناك سودانيين عاشوا مهمشين في الأطراف وأن السلطة والثروة تركزت في أيدى أهل المركز الذين يطلق عليهم أحياناً "السودان النيلي"
هذا خلط غير ناضج يضع كل السودان الوسط والشمالي في خانة واحدة، على الرغم من أن السلطة ظلت تتحكّم فيها ومنذ 18 سنة، فئة بعينها هي التي تنتمي إلى «الإسلام السياسي» ومعظم كوادرها النشطة سواء التي انقسمت مع «الشيخ» أو بقيت مع «المريدين» هم من غرب السودان.
تأسيساً على ذلك يجب القول إن مفهوم الهامش والمركز نفسه يحتاج إلى تحديد واضح. الآن وعلى ضوء هذا الخلط، تصبح بلدة مثل "كريمة" التي لم تعد تصلها القطارات إلا لماماً ولا توجد بها أدنى مقومات المدينة وتنعدم فيها البنيات التحتية، جزءاً من «مركز»، في حين مدينة مثل «الأبيض» بكل تراثها الثقافي والتعليمي تنسب إلى «الهامش». أو بلدة مثل «ابوحمد» التي لا يوجد فيها شيء يتحرك صيف شتاء سوى ريح العتمور أصبحت طبقاً للتقسيم المبتسر والمتعسف، جزءاًَ من «المركز»، ومدينة مثل القضارف التي ظلت مركزاً تجارياً مزدهراً من "الهامش".
إن الأطراف، أو الذين يعتقدون أنهم يتحدثون باسمها يقولون إن هيمنة المركز يجب أن يوضع لها حد. إنهم يستعيرون شعارات يسار الستينيات ويوظفونها توظيفاً سيئاً، ولا أزيد.
وهنا لا بد أن نضع خطاً فاصلاً وواضحاً بين الذين بيدهم السلطة، وأولئك الذين ينازعونهم هذه السلطة على اعتبار أنهم تغولوا عليها، سواء كان الذين ينازعونهم هذه السلطة من «المركز أو الهامش»، ذلك أن مواقف الناس لا يمكن أن تبقى حبيسة تقسيمات جغرافية بل هي حتماً يجب أن تكون تبعاً لتقسيمات فكرية ومواقف سياسية. مَنْ مع مَنْ ومَنْ ضد مَنْ.
سنلاحظ بوضوح أن هذه الرؤى التي تخلط الأشياء عن قصد أو عن عدم إدراك عمق الأشياء، جعلت السودان يعيش حالة حيرة شاملة وعنيفة. بل ظهرت وساوس وشكوك بأن الديمقراطية في الماضي هي سبب تعاسة المجتمع، ويمكن وضع مساوئها على قدم المساواة مع مساوىء الأنظمة الشمولية، وأدى عجز السلطة الحاكمة في الحالتين إلى تردي الحكم وإبعاد النخب الفاعلة أو إفسادها بالمناصب والمال إلى درجة العفن.
لا شك أن معاناة بعض الأطراف كانت شديدة إلى الحد الذي جعلها تحمل السلاح في الغرب والشرق، وجاء ذلك بعد الجنوب الذي لجأ إلى السلاح منذ ما بات يعرف باسم «تمرد توريت». الجميع يقولون إنهم حملوا السلاح حتى تصبح "المواطنة" هي الأساس، وفي كل الحالات القي اللوم على «مركز» لم يقل لنا أحد إين يوجد بالضبط، وما هي حدوده بل ما هي مواصفاته. وخطورة هذا الطرح أنه يريد معالجة أزمة ديمقراطية بوسائل غير ديمقراطية. نعم لأن تكون «المواطنة» هي الأساس إذ لا يوجد عاقل يرفض هذا المنطق، لكن هذه المواطنة لا يمكن أن تكون مدخلاً لإقصاء آخرين. إقصاء الآخر، أيَّاً كان هذا الآخر، غير مقبول على الإطلاق.
في سطرين أقول إن الأزمة الحقيقية في بلادنا هي النظام الشمولي، والمعالجات الخاطئة في ظل انعدام الحريات والقمع خلال ثلاث تجارب، هي التي أدت إلى ما نحن فيه.
في ظني أن مشكلة السودان أنه دولة افتراضية، اعتقد قادته منذ الاستقلال أن هذه الدولة يمكن أن تقوم على مشاعر عاطفية، وتاريخ ملتبس، بل غامض أحياناً، ومؤسسات هشة. دولة يمكن أن يكون عمادها خطوط سكك حديدية تتلوى غرباً وجنوباً وشرقاً وشمالاً، واقتصاد يعتمد على القطن طويل التيلة، وخدمة مدنية تمتلك كفاءة تسيير دواليب العمل الإداري، وخدمات تقدم صحة وتعليماً مجاناً لجميع الناس الذين يصلون إلى أقرب شفخانة أو مدرسة أولية، ثم مؤسسة عسكرية «قومية» قادرة بقوة السلاح أن تحمي هذه المؤسسات.
ذات يوم أصبح السودانيون ليجدوا أن كل هذا قبض ريح، وأن ما يفرّقهم أكثر بكثير مما يجمعهم. وإذ بهم يهاجرون من جميع الجهات إلى عاصمة اتسعت وتمددت حولها الأحياء العشوائية، حتى صارت أكبر من العاصمة نفسها، ثم يهاجرون إلى الشتات ولا يجدون سوى الذكريات يقتاتون منها ويعيشون بها، هاجروا في ظل الظروف الضاغطة في عهد نميري والخانقة في ظل سنوات السلطة الحاكمة الآن في الخرطوم.
في تقديري، إن مشكلة السودان أنه لا توجد دولة إلا في مخيلتنا وفي موسيقى حزينة وأشعار قادرة أن تصيغ وجداننا، لكنها عاجزة أن تخلق لنا هوية أو توحد رؤانا.
ظن كثيرون خطأً أن المشكلة تكمن في "هامش" و"مركز" في حين أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، هي قطعاً مشكلة صنع دولة وهمية في المخيلة ثم الانتساب إليها، لذلك أقول إن الحل يكمن في وضع حدٍّ لهذا الوهم. إن حل أي مشكلة يكمن في الإقرار بوجود المشكلة في حد ذاتها، هذا هو المدخل الصحيح للتعامل مع المشكلة.
السودان في حقيقته مجموعة صدف تاريخية وجغرافية. لذا ما يضير من تفكيك هذه الدولة، تفكيكاً يعود بنا إلى الواقع بحيث يشعر كل من لحق به الغبن أن من حقه أن يقرر مصيره دون ضغوط، بل وحتى دون إغراءات. ثم بعد ذلك نجلس حول مائدة مستديرة أو مربعة، لنقرر أي رابط يمكن أن يربط بيننا، ذلك أن الوحدة القسرية مصيرها الإندثار.
لكن كيف يمكن تفكيك الدولة. هناك من قال ذات يوم من أراد السلطة عليه أن يحمل السلاح. وهذا بالضبط هو منطق الأنظمة الشمولية، أي نهزمهم بالسلاح إذا لم نستطع هزمهم بالفكر. تفكيك الدولة الوهمية يعتمد قبل كل شيء الإقرار بأن حل مشاكل بلادنا لا بد أن يكون توافقياً، ليس تحقيق اجماع لأن في ذلك استحالة، لكن حشد أغلبية وراء الحل التوافقي. إن المنطق الآن يحتم الخروج من الأزمة الراهنة، باعتماد ست خطوات، تحتاج إلى قليل من الإرادة والكثير من الوضوح.
الخطوة الأولى طي صفحات الماضي على قاعدة المحاسبة، من ظَلم ومن ظُلم، شريطة عدم اقصاء أي طرف، والإقرار أن الحكم الشمولي لا يصلح ولا يمكن أن يصلح أن يكون قاعدة للحكم في السودان، والمواطنة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة هي عماد الحكم.
الخطوة الثانية الإقرار بأنه توجد أزمة حكم وليس صراعاً بين مركز وأطراف وهذه أزمة تحل عبر صناديق الاقتراع والتمثيل النسبي، وليس نظام الدوائر وأن تصبح المؤسسات الديمقراطية والأحزاب ومنظمات المجتمع هي صانعة القرار وليس السلطة هي التي تمنح أو تقرر.
الخطوة الثالثة اعتماد مبدأ تقرير المصير على اعتبار أنه حق أصيل في الممارسة الديقراطية.
الخطوة الرابعة إقرار نظام يمنح للجهات والأقاليم صلاحيات كاملة أي حكماً ذاتياً حقيقياً وموسعاً حتى يتسنى لهذه الأقاليم أن تحكم نفسها بنفسها.
الخطوة الخامسة أن تساعد الأقاليم التي تملك ثروات تلك التي تعاني نقصاً، حتى يمكن النهوض بجميع الساكنة وفق برامج تنمية مستدامة.
الخطوة السادسة أن يكون المركز، أي مقر السلطة المركزية، هو عبارة عن تشكيل متساو يجد فيها الجميع مكانهم على قدم المساواة.
هكذا تبدو لي الأمور.
إن لدي اقتناع مؤداه أن الحكمة في علاج الأزمات هي أن يترك كل طرف للطرف الآخر سبيلاً إلى التراجع بكرامة وكبرياء.
عن جريدة "الصحافة" 30 اغسطس