صحافة السودانية: الكتابة ليست هي النميمة والشائعات (2-2)
الصحافة السودانية: الكتابة ليست هي النميمة والشائعات
طلحة جبريل
talha@talhamusa.com
في ظني أن دورالصحافة سواء كانت مكتوبة أم مسموعة أم مقروءة، يكمن في حرية مناقشة صنع القرار، وهي بهذا المعنى وسيلة لتدفق المعلومات.
المؤكد أن التلفزيون في بلادنا وإلى حدٍّ ما الإذاعة، وبسبب ظروف الرقابة الخانقة لا يمكنها أن تلعب هذا الدور، أي مناقشة صنع القرار، أو أن تكون وسيلة لتدفق المعلومات. ثم إن التلفزيون كما أعتقد ونشاهد جميعاً في كل لحظة، سيبقى جهازاً للترفيه، وحين يتعلّق الأمر بتدفق المعلومات فهو قطعاً وسيلة تدمن التغليط وفي كثير من الأحيان جهاز للتبليد، يدمن عليه من يعتقدون أن الحقيقة توجد حيث توجد الصورة والإضاءة والديكور والمساحيق والكلام الذي يندلق ليل نهار يركز على القشور. وفي اعتقادي أن الاخبار التي يمكن أن نطمئن إليها ويبثها التلفزيون حتى الآن على الأقل هي فقط أحوال الطقس.
تبقى الصحافة المكتوبة، وتنقسم إلى ثلاثة: الصحف، ووكالات الأنباء، والصحافة الاليكترونية التي أصبجت تزاحم الصحافة الورقية والمسموعة والمرئية. لا شك أن دوراً مهماً ينتظر هذه الصحافة، إذا قدّر لنا عبور الوضع الراهن إلى حيث الديمقراطية والتعددية السياسية. ولا أخفي أنني وفي كل مرة أسعى أن أكتب بنبرة متفائلة، فإذا واقع الحال في بلادنا حيث اصبح الهاجس الأمني هو الطاغي، يعيدني إلى حقائق الاشياء، وهذه الحقائق تقول بوضوح إن السلطة الحاكمة في الخرطوم لا تترك مجالاً للتكهن بأن فجراً للحريات سينبلج، أو ان هذا الضباب الكثيف الذي يلف حياتنا السياسية سينقشع.
والمشكلة ان الصحافة الورقية في السودان تعاني على مستويين، المستوى الاول هو ان هامش الحرية اتسع لفترة ثم أصبح يضيق باستمرار، مما جعل من الرقيب موظفاً دائماً داخل مكاتب الصحف وحيث تدور مطابعها. وصحافتنا، ربما هي الصحافة الوحيدة في العالم التي تحذف موادها في المطبعة، وقبل ذلك ترسل لها يومياً قائمة بالمواضيع التي يطلب منها عدم التعرّض لها من قريب أو بعيد.
والقول بوجود حرية صحافة في بلادنا هو عملياً ضرب من الوهم أو الإيهام والدليل عليه قائم كل يوم في الصحافة السودانية. هناك هامش صغير يراقب عن كثب. عدا ذلك قبض ريح.
أما المستوى الثاني فهو الجانب المهني، والملاحظ أن تراجع المستوى المهني أسهم كثيراً في تراجع مبيعات الصحف والاقبال عليها، وما أعنيه بالجوانب المهنية تحديداً، عدم احترام القواعد الصحيحة والعلمية بالنسبة لمختلف الاجناس الصحافية، سواء تعلّق الأمر بكتابة الاخبار او التقارير، او التحقيقات والاستطلاعات والحوارات.
وفي هذا السياق تبدو في كثير من الأحيان روايات الصحف السودانية، مبنية على الشائعات والتكهنات، ومكتوبة بغرض الإثارة، وهذه الآفة كانت إحدى الأسباب الأساسية التي أدت إلى انحطاط مستوى الصحف في عهد الديمقراطية الثالثة، إلى درجة كان يفترض أن يكون هناك تعريف آخر للخبر. فإذا كان تعريف الخبر "المعلومة التي لم نكن نعرفها من قبل" تحول الخبر بعد الانتفاضة على أيام صحف الرصيف الى "المعلومة التي يمكن أن نبتكرها ولا ضرورة أن يصدقها أحد"..
لا أعرف ما هي أسباب التراجع المهني، ربما بسبب عدم توالي الأجيال الصحافية أو القطيعة بينها في دور الصحف، وربما إلى عدم وجود كليات للاعلام يمكن إن ترفد قاعات التحرير بمحررين أكفاء ومقتدرين، ومن الممكن أن يكون السبب هو كذلك تواضع شروط العمل المادية، لكن إلى جانب كل ذلك لا شك أن سبباً رئيسياً وأساسياً أسهم في دفع الأمور باتجاه أوضاع غير مهنية، وهو النظام الشمولي. وفي ظل الانظمة الشمولية، تذبل جميع الورود، ولا تتفتح زهرة.
ثم هناك ظاهرة اخرى، وهي هذه الكثرة الزائدة عن كل حد على من يطلق عليهم "كتاب الاعمدة"، وبعضهم يراكمون كلاماً لا يقولون شيئاً، والمشكلة ان قائمة "كتاب الاعمدة" اصبحت تضم كل من هبّ ودبّ من المحررين أو أناس من خارج هيئات التحرير، وبعض هؤلاء يأخذون على محمل الجد أكثر من اللازم ما يقولون ويكتبون، ويتصرّفون أو على الأقل يكتبون وكأنهم أصحاب شأن في كل قضية يعتقد أن لهم فيها رأيا يسمع وصوتا يعد.
إذا سارت الصحافة السودانية، بهذه الكيفية قد لا يساعد وجودها على الاطلاق في ترسيخ ديمقراطية نتطلّع اليها ونأمل فيها، بل نتمنى أن تؤدي عملياً إلى تفكيك السلطة الحاكمة في الخرطوم وتقيم على أنقاضها نظاماً تعددياً مستقراً.
وفي رأيي أن على الصحافة السودانية يجب ومنذ الآن أن تتجه نحو صحافة التحقيقات لتجد لها موقعاً تنافس به جهاز التبليد الذي يتسمر أمامه الناس صباح مساء. صحافة التحقيقات، تتجسد في المواضيع والقصص الصحافية التي يمكن الاشتغال عليها دون تحديد للفترة الزمنية لكنها عندما تنشر هذه التحقيقات، تطرح قضية وتنقل كماً من المعلومات، بل وتعين صانع القرار على اتخاذ القرار السليم. هذه الصحافة في اوربا واميركا أثبتت كفاءتها في النفاذ إلى دخائل السياسة والغوص في خباياها وتغطية أكبر مساحة من وقائعها وكشف أدق أسرارها، وهذه مدرسة صحفية تدرك أن النفاذ إلى العمق حق قارئ لا يعنيه ولا يرضيه أن تنحصر مهمة الصحافة في كتابة الأعمدة أو نقل الشائعات من أفواه الناس إلى صفحات الصحف، وتعرف أيضاً أن قارئها يستطيع النظر إلى سطح الحوادث من متابعة التلفزيون في حين أن الكلمة المكتوبة حياتها وقوتها أصبحت موصولة بقدرتها على النفاذ إلى عمق لا تستطيع الصور أن تبلغه، أي بقدرتها على الذهاب وراء السطح بكل ما يتزاحم فوقه من اجتماعات واستقبالات ومراسم واحتفالات وتصريحات وبيانات وتلك كلها في هذا الزمان وسائل تزويق وليست مناهج توثيق.
وهناك وافد جديد إلى عالم الصحافة، وهي الصحافة الاليكترونية التي باتت تزدحم بها شاشات الكومبيوتر. صحافة الانترنيت فتحت الأبواب والنوافذ أمام الكلمة المكتوبة لتنهمر مثل مطر خط الاستواء. وأمطار خط الاستواء ليست كلها فوائد، بل تجلب أحياناً الكوارث والأوبئة.
هناك ايجابيات كثيرة للصحافة الاليكترونية. ايجابيات حدثت بعد ان اصبح الضغط على زر أي جهاز كومبيوتر كافياً للانتقال الى فضاء رحب من الاخبار المعلومات تتدفق مثل السيل، بيد ان السيول فيها الذي يروي الظمأ ويسقي الارض، وذلك الذي يجلب معه المصائب.
هذه الصحافة جعلت وبضربة لازب، جميع القراء هم في الوقت نفسه كتاباً يكتبون ما يحلو لهم دون حسيب او رقيب. يكتبون كيف ما اتفق.
وما يلاحظ على هذه التجربة سودانياً، باستثناء مسألة التواصل وربط الداخل بالخارج احياناً، انها نقلت مجالس النميمة الى اجهزة الكومبيوتر. وتحوّلت النعمة إلى نقمة. بل وباتت الشائعات والاختلاق هي القاعدة وما عداها استثناء. وأصبح الموقع الناجح ذلك الذي يحشو صفحاته بكل خبر دون تدقيق او تمحيص، ويترك للناس أن تكتب أي شيء وكل شيء، وهم يتوهمون بأن هذه هي الصحافة في العصر الاليكتروني. هناك من يعتقد الآن ان دوره هو فقط توسيع طاقة الموقع ليتسع لاي كلمة أو كل صورة، وفي بعض الأحيان لا بأس من إضافة بعض التوابل مثل الأغاني وتحميل لقطات مصوّرة من كل مكان وعن كل شيء.
هذه الصحافة المنفلتة لا يمكن أن تتحوّل بأيدينا إلى شيء نافع إلا إذا مارسها مهنيون وليس هؤلاء الهواة الذين تزدحم بهم مواقع الانترنيت. وكل ما اتمناه أن تتحوّل الصحافة السودانية إلى صحافة معلومات يسبقها التدقيق والتمحيص، تساعد في تعزيز توجهات المجتمع نحو دولة المؤسسات التي ننشدها.
الصحافة هي وسيلة تنوير ولا يمكن أن تتحوّل بأيدينا إلى وسيلة تعتيم، ولا يجوز أن ننقلها بأيدينا من عمل جدي إلى فصول هزلية.
عن جريدة "الصحافة" 20 سبتمبر
عدل بواسطة administrator - 21 September 2007 at 10:11am