اتصلوا بنا لنشر ارائكم و مقالاتكم و أخباركم بموقع الجالية على شبكة الانترنت كورسات لأعضاء الجالية في إدارة المشروعات و أمن تكنولوجيا المعلومات
2010 Summer Congressional Internship Opportunities وظيفة شاغرة -- مدرسة الجالية يشمال فيرجينيا
الجالية تعلن عن مكان إقامة صلاة العيد فى يوم الجمعة 10 سبتمبر 2010
صور من افطار الجالية الاول لشهر رمضان المعظم السبت 14/08/2010
 
فيديو من ندوة فرص الوحدة الوطنية على ضوء الانتخابات السودانية الاخيرة
 
صور من رحلة مدرسة فرجينيا - 29\5\2010
 

 فيديو من ندوة أ. د. / معــز عـمــر بـخـيـت - السبت 13 مارس 2010م
  Membership fees
 رسوم العضوية 


 
 

شداد، وأغاني وأغاني، ومشروع الجزيرة --- صلاح شعيب    الجالية تعلن عن مكان إقامة صلاة العيد فى يوم الجمعة 10 سبتمبر 2010 --- السكرتارية العامة    الجنقو مسامير الأرض.. قضارف ربك عارف --- طلحة جبريل    دور الشباب فى المرحلة القادمة --- د/ أحمد خير    إعلام أم بروباغاندا ـ الحلقة الأخيرة --- كمال الجزولى    "واشنطن بوست" (6): رمضان: اصدقائي المسيحيون: محمد علي صالح --- محمد على صالح    Washington Post (6): Ramadan And My Christian Friends: Mohammad Ali Salih --- محمد على صالح    عبد العزيز حسين الصّاوي بين فكر الإصلاح و نظرية الهدم وإعادة البناء : --- أحمد ضحية    عادل حمودة والسودان.. والمهلّبية! --- مصطفى عبد العزيز البطل    مقال الأحد....مشروع الجزيرة "شوكة" يصعب "بلعها"!!!. --- صديق عبدالهادى    
المواضيع المواضيع CalendarCalendarأبحث فى المنتدىأبحثHelpHelpتسجيلتسجيلدخولدخول
المنتدى العام
 منابر الجالية السودانية الامريكية : منتديات الجالية السودانية الامريكية : المنتدى العام
رمز الرسالة الموضوع : ثورة اكتوبر ..لن تنطفيء جذوتها أضافة رد أضافةموضوع جديد نسخة قابلة للطباعة نسخة قابلة للطباعة
الكاتب الموضوع
طلحة جبريل
Senior Member
Senior Member
Avatar

انضم: 01 March 2007
الردود: 171
Quote Talha.Gibriel ردbullet الموضوع : ثورة اكتوبر ..لن تنطفيء جذوتها
    Posted: 18 October 2007 at 3:45pm
 
 
ثورة اكتوبر .. لن تنطفيء جذوتها

 طلحة جبريل

 

talha@talhamusa.com

 

هذه التفاتة إلى الوراء.

 أقول دائماً انني كنت ولا زلت صحافياً همومه كلها في الحاضر والمستقبل وليست في الأمس وما قبله ، ومن ثم أنا قارئ للتاريخ ولست كاتبا له. التاريخ يكتبه المؤرخون وليس الصحافيون.
هذه التفاتة إلى الوراء ، وآمل ان لا تتكرر وهو ما أرجوه . صادقاً أقولها ، ذلك ان الماضي قد مضى لكن ما يجب ان يشغلنا هو الحاضر وما يتفاعل فيه من أحداث، والمستقبل وما نرجوه من آمال في الغد.
بيد انني وجدت ان أتوقف عند ذلك الحدث، الذي كان علامة فارقة في حياتنا السياسية، ولعله ما زال يضغط على وعينا، على الرغم من ان جيلي لم يعرف من تفاصيل الحدث المدوي إلا ما قرأه لاحقاً من شهادات وكتابات. وما سمعناه من أناشيد وأغانٍ وطنية في طفولتنا الشقية. وبحثنا عن دلالتها في صبانا وفورة الشباب ولم نجد سوى قبض الريح.
جيلي ،هو جيل الخيبات والهزائم والانتكاسات. جيل اعتصرته الاحباطات ومزقته الشكوك. جيل شاهد كيف تتهاوي الافكار والمبادئ والقيم.
جيلنا ليس هو جيل الشاعر الذي قال :
من أجل صياغة الدنيا وتركيب الحياة القادمة
جيل العطاء المستجيش ضراوة ومصادمة
المستميت على المبادئ مؤمناً
مشى لباحات الخلود عيونه مفتوحة وصدوره مكشوفة
نتحمل عبء الحياة ونبتكر
ذلكم هو الجيل الذي عاش الوقائع وصنع الحدث. كتب الأشعار وغنى الأهازيج ، وقبل ذلك خرج بصدور عارية يواجه الرصاص وهتافاته تشق عنان السماء ، حناجره تصنع غد الحرية والديمقراطية.
في هذه الالتفاتة إلى الوراء، وخلال هذا الشهر، وجدت انه من الضروري العودة إلى الحدث الكبير. الى "ثورة اكتوبر" أعظم حدث شهدته بلادنا في القرن العشرين.
كانت ثورة أكتوبر ، ثورة بجميع المقاييس . ثورة حققت اجماعاً فريداً بين كافة مكونات الطيف السياسي ، بل وحتى بين المدنيين والعسكريين حيث انحازت فئة من صغار الضباط إلى صفوف الجماهير ورفضت إطلاق النار على المتظاهرين العزل في الشوارع . خرجت الجماهير الهادرة خلال أيام الثورة ليس من أجل رغيف الخبز، بل من أجل الحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات.
في ذلك الزمان كان السودان بلداً والخرطوم عاصمة. ولم يعرف الناس سنوات القهر والإذلال التي جاءت بعد ذلك بطعم العلقم.
لنتذكر بعض الوقائع.
طلاب جامعة الخرطوم ينظمون سلسلة ندوات من أجل مناقشة «مشكلة الجنوب». المشاركون في تلك الندوات يصلون إلى خلاصات مؤداها أن الحكم الديكتاتوري ومعالجاته الخاطئة للأزمة هي التي أدت إلى تفاقم المشكلة.
كان رأي الصفوة المتعلمة أن الأزمة في الخرطوم وليست في جوبا، وكأني بالتاريخ يعيد نفسه، الآن يتحدثون عن مشكلة في "جوبا" وأخرى في "الفاشر" في حين ان المشكلة في الخرطوم.
لم يتحمل النظام العسكري على الرغم من نزعته التصالحية التي حتمتها القيم والأخلاق المهيمنة على المجتمع آنذاك، الحديث المتداول في تلك الندوات والمطالبة بالحريات والديمقراطية، وتدخل بالقوة ليفض واحدة منها . ثم كان ما كان. سقط الطالب أحمد القرشي طه أول شهداء الثورة . كانت الشرارة التي أشعلت الفتيل في برميل بارود ، وتدفقت الجماهير الهادرة في شوارع المدن ، هتافاتها تصل عنان السماء وهي تردد: مات القرشي ليحيا الشعب.
كانت هناك أيامئذٍ خمس قوى مؤثرة في المشهد السياسي: النقابات والاتحادات المهنية .الحزبان الكبيران "الامة والاتحادي". القوات المسلحة "صغار الضباط" . ثم هناك قوتان سياستان يتواصل نموهما وسط النخب المتعلمة ، الاولى هي الحزب الشيوعي الذي كان الأكثر تأثيراً ، والثاني جماعة "الاخوان المسلمون" وكانت آنذاك مجموعة سياسة ناهضة ، ليست في قوة وتنظيم الحزب الشيوعي ، لكنها تتقدم وسط الطلاب والمتعلمين.
اتفقت كل هذه القوى على إسقاط النظام العسكري وعودة الحياة الديمقراطية للبلاد ، ولعل من سوء حظ الحزب الشيوعي ان سيطرته الواضحة على النقابات والاتحادات جعلت حكومة أكتوبر الأولى التي شكّلتها "جبهة الهيئات" تبدو وكأنها تحت هيمنته الكاملة ، وهو ما سيؤدي إلى سقوط تلك الحكومة . ثم تلاحقت الأحداث على النحو الذي سارت عليه.
بيد ان درس ما بعد اكتوبر ، تمثل في خلاصة محزنة، نعاني آثارها حتى اليوم. جميع القوى الفاعلة التي تحالفت في اكتوبر لصناعة الثورة العظيمة، راحت تبحث عن الانفراد بالسلطة والاستحواذ عليها، وفي جميع الحالات لجأت إلى السلاح وأسلوب القوة.
قبل ان نستعرض مواقف هذه القوى والتي استمرت تداعياتها حتى اليوم ، أجد لزاماً علي أن أقف أمام حدث بدا خارج سياق الثورة ونتائجها . كان ذلك الحدث هو قرار "حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية".
كان قراراً خاطئاً لا معنى له ، حتى ولو تدثر بشعارات دينية.
كان قراراً خاطئاً لانه لا يجوز في ظل نظام ديمقراطي تعددي ان يُمنع تيار سياسي من التعبير عن نفسه علناً، وكان خاطئاً لانه لا يجوز ان يطرد نواب منتخبون زملاء لهم انتخبوا ايضاً طبقاً لنفس القواعد الديمقراطية ، وكان خاطئاً لانه لم يثبت حتى الآن ان الشيوعيين السودانيين كانوا ينشرون ثقافة "الالحاد" في مقابل ثقافة "الايمان"» ولا أظن انه كان بمقدورهم ذلك في مجتمع تشكل الثقاقة الدينية مكوناً أصيلاً من مكونات هويته.
كان ذلك القرار بداية لاحتقان سياسي في البلاد استمر حتى يومنا هذا ، لان كل من استولى على السلطة بعد ذلك أو كان ينوي ذلك انطلق من قاعدة عزل الآخرين.
أعود الآن إلى مواقف القوى السياسية وما حدث لها بعد ثورة اكتوبر.
صغار الضباط الذين انحازوا لثورة الشعب اعتقدوا ان "استكمال مهام ثورة اكتوبر يقتضي الاستيلاء على السطة من جديد من طرف الضباط الاحرار" ولسوء حظ السودان ان هناك من "المتعلمين والدكاترة" من زين لهم هذه الخلاصة، وكان ذلك مقدمة لأبشع ديكتاتورية خربت البلاد على مدى 16 سنة وهي تتقافز من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، بحيث احتفل سيء الذكر نميري ، بعيد ميلاد لينين في "ميدان عبدالمنعم" في الخرطوم ، ثم جاء زمان ليقول هذا النميري إنه "طار من الخرطوم ذات ليلة من منزله الى ضريح الشيخ الطيب في وسط الجزيرة" ، واستحق بعدها ذلك لقباً كاريكاتوريا: "الفتى الطائر".
ثم كانت نتيجة ذلك ان سرت داخل المؤسسة العسكرية عدوى الانقلابات إلى يومنا هذا.
الحزبان الكبيران جربا كذلك استعمال القوة للاستيلاء على السلطة عام 1976، وكانت تجربة كارثية على صعيد الوقائع والنتائج . كارثة لانها كانت محاولة فاشلة خطط لها بشكل سيء ، وكارثة لانها استندت على "جار مقلق" لم يأت منه خير ، ولا أظن انه سيأتي منه خير ، أقول ذلك عن معرفة ودراية.
النقابات والاتحادات المهنية تعرضت لهجمات شرسة متتالية وتصفيات متعمدة، وكان ان تآكل نفوذها وتشرد قادتها ، وفصل معظمهم من وظائفهم ، واضطروا في كثير من الأحيان ان يغادروا البلاد موجة تلو الأخرى، وما تبقى منهم اعتزل العمل السياسي.
تأثر الحزب الشيوعي كثيراً بقرار حله. كان التأثير نفسياً ، إذ انه أحدث رجة داخل الحزب، على الرغم من ان تنظيماته لم تتأثر بالقرار، بل عرفت كيف تستثمر القرار إلى حد ان الشيوعيين استطاعوا ان يخلقوا تحالفاً بدا غريباً وقتها بينهم وبين الختمية ، لكن "انقلاب مايو" الذي كان يطلق عليه "الثورة الظافرة" وهي قطعاً لم تكن "ثورة" ولم "تظفر" بشيء، خلق انقساماً كبيراً وسط الحزب، ثم جاء الخطأ الذي أصبح بحجم الخطيئة، عندما لجأت قيادته إلى بعض الضباط ليقودوا انقلاباً على الانقلاب، وكانت كارثة على الحزب ما يزال يعاني آثارها حتى اليوم.
انطلق "الاسلاميون" مع ثورة اكتوبر ، واستثمروا معارضتهم جيداً لانقلاب مايو ، وخاضوا معه معركتين ، في الاولى كان مشاركتهم هامشية "الجزيرة أبا" ، وفي الثانية كان وجودهم ملحوظاً "الجبهة الوطنية عام 76" بيد ان الاسلاميين الذين أدمنوا على استبدال أسمائهم في كل مرحلة، استطاعوا ان يتحالفوا مع نميري، ثم بعد ذلك جاءت مرحلة "التمكين" من أجل الانتشار ، وعندما جاءت انتفاضة ابريل، وكما حدث مع جبهة الهيئات في أكتوبر، وجدت الجبهة القومية الاسلامية إن اثنين من المتعاطفين معهما وضعتهم الصدفة، وكان القدر ينسج هذه المصادفات بكفاءة، في موقع القرار ، وهما عبدالرحمن سوار الذهب والدكتور الجزولي دفع الله. لكن الجبهة الاسلامية المتعجلة والمتلهفة، لم تكن لتكتفي بدور القوى الثالثة بعد تنظيم انتخابات ما بعد الانتفاضة ، إذ كانت تريد كل السلطة، وكان لها ما أرادت بعد اربع سنوات.
في هذه الالتفاتة إلى الوراء سنلاحظ بوضوح ان القوى الفاعلة في فترة ثورة أكتوبر راحت كلها تبحث عن السلطة، وهي ترفض في العمق قبول الآخر. الآن بعد 43 سنة من وقائع تلك الثورة، لا بد من التأكيد ان الشعوب لا تخون حتى ولو خانت قياداتها.
كانت أكتوبر ثورة عظيمة بيد ان أبناء الثورة هم الذين أكلوها وليس الثورة هي التي أكلت أبناءها كما يحدث عادة في التاريخ . لكنني أقول إن الماضي يحاسب ولا يعاقب ،عقاب الماضي ظالم ،لأنه يصبح حينئذ عبئاً على الحاضر والمستقبل.

عن جريدة الصحافة 18 اكتوبر

 

 

 

مقالات سابقة

لماذ هنا ولماذا الآن

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1189

حكاية طالبة سودانية شاركت افتراضيا في الانتخابات الفرنسية

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1231

ماذا يضيرنا اذا اصبح السودان يوغسلافيا افريقيا

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1253

قادة الاحزاب لا يتقاعدون انهم زعماء لكل الأزمنة

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1296

ما بعد الاستفتاء وما بعد انفصال الجنوب

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1372

جامعة الخرطوم ليست مثالاً يحتذى

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273

جامعة الخرطوم هلى هذا وقته

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273

في دارفور لا احد يعرف ماذا يريد

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1429

السودان اصبح بلداً بلا أدباء

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1457

الخرطوم لم تعد تصلح عاصمة

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1667

قبل ان يصطف الناخبون امام صناديق الاقتراع

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1682

  عودة الاقباط الى وطنهم

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1742

 ان تكون وزبراً في السودان

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1827

 حكاية المركز والهامش بين كريمة وابوحمد ..والابيض والقضارف

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1858

 الصحافة السودانية : التلفزيون جهاز للتبليد (1-2)

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1898

الصحافة السودانية: الكتابة ليست هي النميمة والشائعات (2-2)

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1918

هرولة السودانيين نحو قناة الجزيرة

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1939

الجنوب سيمضي الى حال سبيله لان العواطف لا تحقق وحدة

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1970

 

الحياة جارية والتاريخ لم يصل الى نهايته بعد

 

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1986

IP IP Logged
الأدارة
Admin Group
Admin Group
Avatar

انضم: 17 March 2006
الردود: 1371
Quote administrator ردbullet Posted: 19 October 2007 at 10:18pm
ماذا بقي من ثورة أكتوبر ؟

محمد المكي إبراهيم

 
في الحادي والعشرين من اكتوبر 1964 عقد طلاب جامعة الخرطوم ندوة سياسية داخل القرية الجامعية وبحكم توقيت ومكان انعقادها(الثامنة والنصف مساء في السكن الجامعي الشرقي البعيد عن الشارع العام)  فقد اقتصر جمهورها على طلاب الجامعة وحدهم دون مشاركة من بقية قطاعات الجمهور.  ورغم ذلك هوجمت الندوة من قبل قوات الشرطة التي واجهت مقاومة طلابية اضطرتها الى اطلاق النار على الطلاب مما اسفر عنه سقوط عدد من القتلى على رأسهم الشهيد القرشي .وكان ذلك نقرا على وتر شديد الحساسية في العقل السياسي العام افرز خمسة ايام من العنف والتظاهر في كل المدن السودانية انتهت بسقوط حكومة الفريق ابراهيم عبود العسكرية وعودة الديموقراطية للبلاد.

 

منذ ذلك التاريخ مرت مياه كثيرة تحت الجسور وتعاقبت على حكم البلاد أنظمة عديدة وتقلبت حظوظ البلاد من الحرية الى الكبت ومن الغنى الى الفقر وتعرض ذلك الحدث التاريخي الى  النظر وإعادة النظر ولا تكاد ذكرى اكتوبر تهل دون ان تتعرض تلك الاحداث البعيدة لتقييم جديد يرفع أو يحط من القيمة التاريخية للثورة التي اعتبرها الكثيرون ابلغ تعبير عن روح الشعب السوداني وتوقه للحرية واستعداده لتسديد ثمنها بالأرواح والدماء بينما اعتبرها آخرون مجرد  انفلات أمني لم تحسنالسلطة القائمة التعامل معه وذلك على نسق المحافظين المصريين الذين يسمون الثورة العرابية "هوجة" عرابي مستكثؤين عليها صفة الثورة المشرفة.

 

 ماذا حدث إذن في السودان في 21 أكتوبر  1964 ؟ هل كان ذلك واحدة من    معجزات العصور القديمة  التي فقدت قابليتها للتكرار؟ هل هي خطأ تاريخي كبير هب فيه السودانيون مدفوعين بحرد صبياني ليطيحوا بالمستبد العادل الوحيد في تاريخ السودان قديمه وحديثه؟ أم هي هذيانات معاصرين للحدث دخلوا مراحل الكهولة والشيخوخة وراحوا يتعصبون للزمان الذي عاشوه وحسبوه أفضل الأزمنة واعتبروا ثورته أفضل الثورات؟ أم هو من الأساس أكذوبة افتراها تقدميون مزعومون ليسلطوا بها سيف الفوضى على كل حكم رشيد جاء في اعقاب ذلك الحدث التاريخي الفريد؟

 

قبل أن نتقدم في هذا الطريق دعنا نلاحظ ما ظلت تحظى به ثورة اكتوبر من الهجوم والتبخيس خلال السنوات الأربعين الماضية فقد تظاهر على الحط من شأنها يمينيون ودكتاتوريون وآخرون كانوا لردح من الزمن محسوبين على ما سمي في حينه باليسار الجديد. وتمسك شكلانيون بحرفية مصطلحات العلم السياسي لحرمان اكتوبر من وضعها كثورة والهبوط  بها الى مستوى الهبات العابرة والانتفاضات ولكن اكتوبر برهنت على بقائية مذهلة فما زالت أفكارها تلهم الشعب وتملأ شرايينه بالنخوة والطموح ولا زالت موجودة في ميزانيات أجهزة الأمن والقمع الجماهيري بوصفها الخطر الأكبر الذي ينبغي ان يتحسب له كل من يريد البقاء على كرسي الحكم . ومن عام لعام يقوم أعداؤها بدلق  الحبر الأسود على الورق الابيض لهدم أسطورتها واقناع الجمهور بأنها وهم او خطأ او سراب.والآن مع تباشير ذكراها المتجددة دعونا نستعرض خلفية ما جرى وما قيل عنه وما يقال.

 

لنبدأ بالنظام الذي تصدت له الثورة وهو نظام جاء الى السلطة بانقلاب عسكري في 17 نوفمبر 1958 واضعا نهاية مفاجئة للديموقراطية التي أفرزها استقلال البلاد في مطلع عام 1956 ومهما قيل الآن عن ذلك النظام فانه  لم يكن في زمانه افضل الأنظمة وأزهاها ولكنه بتغذية استرجاعية فاسدة أصبح فعلا أفضل ما مر على السودان.وليس ذلك من مسئولية الثورة  مثلما أنه ليس من مسئولية الثورة الفرنسية ان  الملكية عادت بعدها  الى فرنسا وان افكار العدل والاخاء والمساواة التي جاءت بها لم تعمر طويلا وانتهت بقصف دمشق وقمع الجزائر.وبالمثل ليس من مسئولية الثورة الاكتوبرية ان الديموقراطيات التي تلتها كانت ضعيفة متهالكة وان الدكتاتوريات كانت شرسة وفاشلة.

 كان نظام الفريق عبود امتدادا للدولة الكولونيالية الموروثة حديثا عن الاستعمار البريطاني بكل قدراتها ونواحي ضعفها فقد تميزت الدولة التي ورثها الفريق برصانة ادارية ونواة اقتصاد حديث غير مترهل ويكاد يخلو من الفساد مع احتياطيات نقدية كانت تعتبر الغطاء الحقيقي للعملة الوطنية.ومع تلك المزايا ورث النظام طاقات أمنية وقمعية محدودة فلم يكن له جهاز أمن ومخابرات متقدم وكان جيشه صغيرالحجم وموجها بالأساس للأخطار الخارجية والحدودية وحين حاول عبود استخدامه للقمع الداخلي تمرد شباب الضباط وانضموا عمليا الى الثوار. وهنا لابد للباحث المنصف أن يعترف بأن ذلك  كان وجها من وجوه ضعف النظام الذي تصدت له الثورة الاكتوبرية ومساهمة ذلك الضعف في إنجاح الثورة وتكليلها بالانتصار على عكس ما كان منتظرا لو كان النظام مدججا بالسلاح ومحروسا بتنظيم سياسي ضارب الجذور وجهاز أمني رفيع المقدرات.

ولا جدال ان الرئيس عبود تميز بروح أبوي عصم نظامه من التجاوزات القاسية التي مارستها الدكتاتوريات اللاحقة ويروي ابطال حادثة تعذيب جرت في عهده ( ربما كانت الوحيدة في سنوات حكمه الست) عمق الغضب الذي عبر عنه الرئيس والاجراءات المتشددة التي اتخذها ضد مرتكبي الحادثة من كبار المسئولين . كما أقدم نظامه على عدة خطوات في مجال التصنيع كانت النواة الأولى  لصناعة السكر والجلود في البلاد. وعلى عهده أقيم واحد من أهم السدود على النيل الأزرق للتوليد الكهرومائي زجرى استخدام المعونة الأمريكية في رصف طريقي الخرطوم/مدني والخرطوم/الجيلي. ويذكر للرئيس انه انتقى لنفسه قطعة ارض متواضعة اضطر للاقتراض من المصارف ليشيد عليها منزله الخاص. وكما كان للنظام حسناته فقد كانت له خطاياه وعلى رأسها استسلامه المتهافت امام السمعة الداوية للرئيس عبد الناصر وقبوله ثمنا قليلا للأراضي السودانية التي أغرقها السد العالي وأقيمت عليها بحيرة ناصر. ومنها اهتمامه الكبير بحركة التشييد السكني التي استفرغت جهد ومدخرات السودانيين وجمدتها في هياكل اسمنتية بدلا من استغلالها في الزراعة والتصنيع ومنها عدم استفادته بصورة متساوية من معونات المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وكانا يتنافسان على خطب ود السودان في تلك المرحلة الباكرة من مراحل الحرب الباردة.وعلى الجانب الآخر كان ثوار اكتوبر يحلمون بديموقراطية عميقة الجذور تهيئ البلاد لتنمية أسرع وأقوى من تلك التي اقدم عليها النظام وكانوا يملكون حلا لحرب الجنوب أثبت فعاليته بعد سقوط عبود بسنوات ومنح البلاد أحد عشر عاما من السلام.وكانوا يمتلكون هياكل عامة لبرامج اقتصادية كان بوسعها تغيير وجه الحياة الاقتصادية للبلاد لو أنه أحسن توجيهها نحو التنمية والبناء.  وعلى أيامها كانت خطايا النظام مرئية بوضوح تام اذ لم يكن قد اكتسب بعد الأبعاد البيرونية (نسبة الى دكتاتور الارجنتين واسع الشعبية خوان بيرون) التي أسبغتها عليه المقارنة باخفاقات العسكريين الذين جاؤوا من بعده.

والواقع ان الرئيس شخصيا كان سوارا من ذهب الا أن  اركان حكمه لم يكونوا جميعا على شاكلته.وبالغة ما بلغت فضائله الشخصية فانها لاتكفي لتبرير العقل المتحجر الذي حكم مسيرة التنمية والاقتصاد خلال سنوات حكمه الست فقد كان من الممكن ان ينجز أكثر وأسرع في ظروف دولية مؤاتية ساهم شخصيا في صنعها بالسياسة الخارجية البراغماتية التي انتهجها بمواجهة الاندفاعات الناصرية والصراعات والملاسنات التي عمت العالم العربي والبطوليات الشخصية  وعبادة الفرد التي سار عليها قادة افريقيا الجدد من حوله. 

كان رجلا عظيما ولكن الرجال العظماء لايملكون حصانة ضد السقوط.

IP IP Logged
أضافة رد أضافةموضوع جديد
نسخة قابلة للطباعة نسخة قابلة للطباعة

أذهب الى منتدى
You cannot post new topics in this forum
You cannot reply to topics in this forum
You cannot delete your posts in this forum
You cannot edit your posts in this forum
You cannot create polls in this forum
You cannot vote in polls in this forum

الأراء والأفكار التي تطرح في جميع منتديات الجالية سواء كانت من ضيوف المنتدى أو أعضاء الجالية أو أعضاء اللجنة التنفيذية لا تعبر عن موقف الجالية انما تعبر عن أصحابها فقط
الصفحة الرئيسية  |  إتصل بنا  |  ألبوم الجالية  |  منتديات الجالية  |  فيديو الجالية  |  الأخبار الإجتماعية