السودان ومصر ومسألة الجار المقلق
طلحة جبريل
talha@talhamousa.com
خلال العقدين الأخيرين أصبحت بلادنا "جاراً مقلقاً" لبعض دول الجوار وفي بعض الأحيان لجميع هذه الدول، لن أخوض في تفاصيل الماضي بيد أننا نعرف أن سياسات السلطة الحاكمة إتجهت في كثير من الفترات إلى حدّ تدبير مخططات للتصفيات الجسدية، دعونا نتطلّع إلى المستقبل.
الآن تحيط بنا ثماني دول. بعد 2011 قد تصبح تسع دول، وربما قبل ذلك إذا سارت الأحداث بين الخرطوم وجوبا بوتيرتها الحالية، حيث تتبادل حكومتان اتهامات ووصلت الأمور حد "التخوين".
وما أتمناه أن لا تعود الأمور إلى المربع الأول، أي ما قبل اتفاقية نيفاشا، ذلك ان تجربة الحرب كانت مريرة تطفح بالمآسي. وكفانا في هذا البلد أحزاناً، ثم انه وفي كل الاحوال ثبت بالدليل أن الحروب والاقتتال لم يقدما حلاً لأية مشكلة في التاريخ.
أعود الى موضوع الجوار، حيث سأركز في هذه المقالة على العلاقات السودانية المصرية، على ان اعود في وقت لاحق لباقي علاقات الجوار الجغرافي.
تعيش مصر حالياً مرحلة انتقالية بين مرحلتين، على الرغم من كل ما يقال فإن نظاماً يختلف عن النظام الحالي سيكون في القاهرة بعد انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس حسني مبارك، سواء كان الحل هو التوريث، الذي يبدو انه اقرب الاحتمالات على الرغم من النفي الذي تمطرنا به وسائل الإعلام المصرية يومياً، أو الانعطاف نحو نظام سياسي آخر.
وفي الحالتين يجب أن نضع في الحسبان أن السياسة المصرية ستعرف تغييرات أساسية داخلية وخارجية، وما يهمنا نحن هو السياسة الخارجية المرتقبة لبلد ينوء تحت وطأة مشاكل متشابكة ومعقدة وفي بعض الأحيان تبدو حتى عصيّة على الحل. لكن في كل الأحوال الأوضاع الداخلية شأن يهم الأخوة في مصر وما يهمنا هو فقط احتمال أن تنعكس علينا بعض المشاكل المتشابكة وتصل إلينا تداعياتها، بسبب العلاقة المتداخلة بين البلدين. وهو احتمال وارد وممكن، خاصة أن الوضع في مصر الآن في حالة ثبات مزعجة، وكأن وحدات الزمن طال عمرها ونامت عقاربها على سطح الساعة.
لا أحد يمكن أن يتكهّن بما يمور تحت السطح، وعلى الرغم من إن مصر يسودها إعتقاد بأنها راكمت من التجارب والحكمة مخزوناً يجعلها في منأى عن حدوث مفاجآت أو انفجارات وانكسارات، بيد أن هذه أمور نسبية، والمفاجأة لا يمكن توقعها وإلا لما أصبحت مفاجأة أصلاً.
منذ مطلع السبعينيات اتخذت العلاقة بين السودان ومصر مسارات ودروب متعرّجة، لكن طوال هذه الفترة المؤكد والثابت أن ملف هذه العلاقات ظلت تتحكّم فيه الأجهزة الأمنية والمخابرات في البلدين. في مصر الأمور واضحة، هم يقولون إنه نظراً لخصوصية العلاقة بين البلدين فإن أمر هذه العلاقة يجب أن يبقى في "رئاسة الجمهورية" وأكثر الأجهزة ارتباطاً بالرئاسة هو جهاز المخابرات. وفي الخرطوم لا أحد يتطرّق إلى الموضوع على الرغم من أن جميع المطلعين يعرفون أن دور وزارة الخارجية ظل دوراً هامشياً في ضبط علاقات البلدين.
عمل ونشاط أجهزة المخابرات تحيط به دائماً الوساوس والشكوك، ذلك أن أجهزة المخابرات لا تقدم عادة جرد حساب للمؤسسات، بل لقيادة الدولة، لذلك يمكن أن تبقى أنشطتها بعيدة عن أية مراقبة، فهي حتى في أكثر الدول تقدماً لا تكتفي فقط بتقديم المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لصناع القرارات حتى يتخذوا القرار الصائب بناء على معطيات ومعلومات وأحياناً بناء على عمليات استقراء وقراءة داخلية، بل يتعدى دورها إلى مهام أخرى بداية من تدبير المؤامرات إلى إدارة السجون مروراً بتزييف المعلومات وعمليات التضليل واسعة النطاق. لذلك حين يتولى جهاز مخابرات مهام العلاقة بين دولتين، فإن همّه يكون بالضرورة التعامل مع الأحداث تعاملاً أمنياً غير مكترث في معظم الأحيان من الانعكاسات السلبية لهذا التعامل.
وفي ظني أن العلاقات المصرية السودانية تضررّت كثيراً من هيمنة أجهزة الأمن والمخابرات على مساراتها. إن السلطة الحاكمة في الخرطوم تدرك ذلك، وحتى المعارضة عندما كانت تعمل من القاهرة أيام تجربة "التجمع الوطني الديمقراطي" تدرك ذلك، لقد ذهبت قيادات المعارضة إلى مصر وفي اعتقادها أنها ستتحرّك من هناك بحرية وتكون حركتها أكثر مرونة وفعالية من أي عاصمة أخرى، لكن سرعان ما تبيّن أن تقديراتها كانت خاطئة، وفي كثير من الأحيان كان القرار الذي يتبناه التجمع "مصرياً" ولم يكن قراراً للمعارضة بمختلف تلويناتها وفصائلها.
في كل الأحوال تلك صفحة طويت وعلينا الآن أن نتطلّع إلى المستقبل.
الثابت أن قدر البلدين أن تكون لهما علاقة حسن جوار. وهذا المفهوم لا يحتاج إلى شرح. علاقة يجب أن تكون بالفعل لمصلحة الشعبين وليس من أجل هذه الفئة أو تلك.
وقبل أن نطلب من الأخوة في مصر نقل ملف العلاقات من مكاتب وأضابير الأجهزة الأمنية إلى القنوات الديبلوماسية، كما هو شأن أية علاقة عادية بين بلدين جارين، على تنظيماتنا وأحزابنا السياسية كافة أن تقلع عن الاستقواء بمصر أو معاداتها، إذ في الحالتين لا يمكن أن يكون ذلك مفيداً أو مجدياً أو صحياً.
بعد ذلك لا بد من وضع ضوابط لهذه العلاقة من أجل تفادي الانزلاقات والتوترات التي بلغت في بعض الأحيان حدّاً عنيفاً خرج عن حدود السيطرة. ومن أهم الضوابط التطبيق الحرفي لمبدأ "عدم التدخّل في الشؤون الداخلية". وهذا الأمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة تولي وزارتي الخارجية في البلدين ملف العلاقات الثنائية، وهو قرار يتعلّق بالسيادة يمكن أن يتخذه البلدان بسهولة ويسر.
ثم إنه من الضروري ربط العلاقات الثنائية بمصالح واضحة تجلب النفع للبلدين، ولعل من مفارقات العلاقات السودانية المصرية أن البلدين جرّبا كل شيء إلا مسألة أن تصبح الاستثمارات، وليس التمنيات، هي القاطرة الحقيقية التي تقود علاقاتهما.
لقد كانت الآمال في زمن الشعارات والاندفاع تحقيق وحدة اندماجية بين السودان ومصر، ثم انتقلت الأمور إلى وحدات وهمية أو متخيّلة، وبعد ذلك صرنا نتحدّث عن تكامل اقتصادي لم يحدث قط، وجربنا أن نبدّل مسميات ذلك التكامل لكن ظل كل شيء يراوح مكانه، بيد أن كل ذلك أصبح جزءاً من ماضٍ لا يمكن محاسبته الآن، ولم تعد هناك جدوى أصلاً من العودة إليه. يجب علينا التفكير حالياً بمنطق العصر، وهو ما يعني ضرورة إيجاد مصالح مشتركة تقنع الناس في البلدين أن السودان لا يمكن أن يتحوّل إلى جار مقلق للشقيقة الكبرى، وأن مصر ليست في وارد الهيمنة وفرض الوصاية على جنوب الوادي.
ليس صعباً أو متعذّراً إيجاد فرص استثمارية في البلدين، هناك الكثير من المجالات الجاذبة، وهو أمر يمكن أن يقرره المختصون، لكن المؤكد أن حركة الاستثمارات ستصبح دعامة قوية من دعامات استقرار العلاقات بين البلدين. وفي كثير من الأحيان أثبتت رؤوس الأموال قدرتها على كبح أي سلبيات تأتي من باب السياسة.
علينا أن نفعل كل ذلك حتى لا يضيع من الأجيال الصاعدة في البلدين الغد لأسباب لا ذنب لهم فيها سوى أنهم لم يكونوا هناك بالأمس.
عن جريدة الصحافة (15 نوفمبر)
مقالات سابقة
لماذ هنا ولماذا الآن
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1189
حكاية طالبة سودانية شاركت افتراضيا في الانتخابات الفرنسية
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1231
ماذا يضيرنا اذا اصبح السودان يوغسلافيا افريقيا
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1253
قادة الاحزاب لا يتقاعدون انهم زعماء لكل الأزمنة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1296
ما بعد الاستفتاء وما بعد انفصال الجنوب
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1372
جامعة الخرطوم ليست مثالاً يحتذى
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273
جامعة الخرطوم هلى هذا وقته
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273
في دارفور لا احد يعرف ماذا يريد
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1429
السودان اصبح بلداً بلا أدباء
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1457
الخرطوم لم تعد تصلح عاصمة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1667
قبل ان يصطف الناخبون امام صناديق الاقتراع
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1682
عودة الاقباط الى وطنهم
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1742
ان تكون وزبراً في السودان
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1827
حكاية المركز والهامش بين كريمة وابوحمد ..والابيض والقضارف
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1858
الصحافة السودانية : التلفزيون جهاز للتبليد (1-2)
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1898
الصحافة السودانية: الكتابة ليست هي النميمة والشائعات (2-2)
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1918
هرولة السودانيين نحو قناة الجزيرة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1939
الجنوب سيمضي الى حال سبيله لان العواطف لا تحقق وحدة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1970
الحياة جارية والتاريخ لم يصل الى نهايته بعد
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1986
ثورة اكتوبر ..لن تنطفيء جذوتها
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2009
ويحدثونك عن التعامل مع اميركا
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2057
جواز سفر تطارده اللعنات والاتهامات
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2082