الاغلبية الصامتة في السودان
طلحة جبريل
talha@talhamusa.com
كان الاحباط واضحاً على مني اركو مناوي والوفد الذي رافقه الى واشنطون، وهم يتحدثون عن حصيلة بائسة تم انجازها بعد مضي 22 شهراً على توقيع اتفاقية "أبوجا". كان الطقس صحواً خارج قاعة "هيلتون ارلنغتون" في ولاية فرجينيا، لكن الأمر لم يكن مماثلاً للاجواء داخل القاعة. ومن خلال ما قاله اعضاء الوفد يتبين ان الامور تزداد قتامةً في دارفور. ولا يبدو أن هناك فجراً قريباً آتياً بعد هذه الايام الحالكة.
قيل الكثير حول تعثر تطبيق اتفاقية أبوجا، لكن الحالة لخصها مناوي من وجهة نظره وبعبارات غير معقدة، حيث قال حرفياً "لست نادماً على توقيع اتفاقية السلام لكنني أشعر بالندم لأنه لم يطبق". تعمد مناوي والوفد الذي رافقه عدم الحديث عن مفاوضاتهم مع المسؤولين الاميركيين، لكن المعلومات المتوفرة في واشنطن تفيد بأنه جاء بدوره يشكو من تعثر تطبيق اتفاقية "سلام دارفور" على غرار ما فعلت قبل ذلك الحركة الشعبية مع "اتفاقية السلام الشامل". وهكذا أصبحت واشنطون قبلة الذين يشتكون من ممارسة السلطة الحاكمة في الخرطوم، وهم جزء منها. وضعية سوريالية يبدو طبعيباً ان نعايشها، طلما إننا نفتقد لحكم المؤسسات منذ عام 1989. والواضح أن الحركة الشعبية تبنت زيارة مناوي الى العاصمة الاميركية، وهذا ليس اجتهاداً بل هو ما قاله بالحرف ازيكل جاث كوث رئيس مكتب بعثة الجنوب في واشنطون وهو يخاطب الحاضرين في القاعة. قال ازيكل إنه تلقى توجيهات من حكومة الجنوب من أجل توفير جميع الظروف والاشراف على ترتيبات زيارة مناوي لواشنطون. والراجح أن الحركة الشعبية حثت رئيس "حركة تحرير السودان" على أن يحذو حذوها، وينقل شكواه الى واشنطون لتمارس ضغطاً على حكومة الخرطوم لتطبيق اتفاقية "سلام دارفور". والجانبان في الجنوب ودارفور يعتقدان أنه طالما أن واشنطون دفعت باتجاه اتفاقية نيفاشا وابوجا وأشرفت على توقيعهما، فإن عليها مسؤولية متابعة التطبيق..
كان ملفتاً تلك الظهيرة التى امتدت الى بدايات المساء في قاعة رحبة من قاعات "هيلتون ارلنغتون"، أن يقول مناوي إنهم ليسوا جزءاً من النظام بل جزءاً من الحكومة. وفي بعض الاحيان كانت الحركة الشعبية تقول كلاماً مشابهاً، واتذكر أنني سمعت التعبير نفسه عندما زارت ربيكا قرنق الولايات المتحدة في فبراير 2006، وكانت أيامئذٍ وزيرة للنقل في حكومة الجنوب، حيث قالت في الجامعة الاميركية في واشنطن "نحن جزء من الحكومة لكن لا نمثل النظام".
دعونا نناقش هذه الفكرة:
الأمر لا يحتاج الى تعريفات اكاديمية حول ماذا يعنى "النظام" وماذا تعني "الحكومة". لكن المؤكد أن "الحكومة" هي المؤسسة الأساسية ضمن مؤسسات اي نظام، ديمقراطياً كان ام شمولياً. والنظام في السودان ومنذ عام 1989 يهيمن عليه تيار سياسي واحد، هذا صحيح، وهناك من ينازعونه شرعيته منذ البداية، وفيهم من قرروا الانخراط في مؤسساته بعد مصالحات او اتفاقيات، واحياناً تلبية لدعوات سرية وعلنية.. هذا صحيح. ولكن في ظني ان هناك أغلبية صامتة، لم تقبل في يوم من الايام بالنظام، وهذا صحيح. والانخراط في مؤسسات النظام سواء تعلق الامر بحكومة او ببرلمان او بوظائف قيادية، لا يسمح لمن فعل ذلك، حتى على المستوى الاخلاقي، ان يقول إنه جزء من كل لكنه لايقبل الكل. أي أن يقول إنه جزء من الحكومة أو مؤسساتها لكنه ليس جزءاً من النظام، هذه هرطقة لا تجوز. الحكومة او النظام ليست نادياً، تتمتع بعضويته عندما توفر لك العضوية امتيازات، وتتنكر لشروط هذه العضوية عندما تتحدث في لقاءات مغلقة او مفتوحة مع الجمهور.
الحلال بيِّن والحرام بيِّن.
إذا كنت لا تريد أن تكون جزءاً من النظام، ما عليك إلا الاصطفاف مع الأغلبية الصامتة في مرحلة ضعف الايمان، او الى جانب قلة هي جزء من هذه الاغلبية ترفع صوتها لتقول كلمة الحق وشعارها "ليكن بعدها ما يكون"، لكن أن تتمتع بالمزايا التي توفرها لك عضوية النادي، ثم تقول إنك ليست جزءاً من بنيته، هذا تلاعب لا يجوز وغير مقبول. ثم أن هذا الأمر ينقلنا الى الحديث عن موقف حركات دارفور جميعاً من الصراع بين الأغلبية الصامتة وبين النظام. وهذه الحركات وفي إطار رد الفعل تجاه سياسة حكومية كانت خاطئة منذ البداية، لأنها اعتمدت العنف وسيلة للتعامل مع مطالب مشروعة، راحت تضع كل أهل الشمال في سلة واحدة، والشمال هنا بمعناه الشامل، وتحملهم مسؤولية الاوضاع الظالمة في دارفور.
لكن مهلاً أيها الإخوة في الوطن والمواطنة.
كيف يمكن أن نضع الذين ساندوا مطالب دارفور قبل أن يرفع سلاح في الإقليم، وساندوا مطالب أهل الجنوب حول تقرير المصير قبل أن تطلق الحركة الشعبية طلقة واحدة، في سلة واحدة مع من اغتصبوا الحكم واستولوا عليه ليلاً، ليعلنوا نهاراً أن الامر يتعلق بثورة تريد إنقاذ البلاد والعباد .
واذا ذهبنا بهذا المنطق الى مداه، هل يمكن أن نحمل أهل دارفور مسؤولية تصرفات من كانوا جزءاً من هذا النظام في يوم من الايام، بل وتولوا مسؤولية تعذيب الناس في الأقبية والمعتقلات السرية ويحملون اليوم السلاح "لرفع المظالم عن أهل دارفور" كما يزعمون. والمؤكد ان هذا المنطق مرفوض تماماً، كما أن وضع أهل الشمال في سلة واحدة مرفوض جملة وتفصيلاً .
وإذا كان الأمر كذلك أليس من المنطقي أن يصطف الجميع في إطار النهوض بعمل المجتمع المدني من أجل تفكيك مؤسسات النظام وإقامة مؤسسات ديمقراطية حقيقية، وهذا الأمر ينطبق على وجه التحديد على حركات دارفور، لأن موضوع الجنوب يختلف كثيراً. إذ بدلاً من أن ينخرط بعضكم في مؤسسات النظام، او يجنح بعضكم الآخر الى تطرف يقود الى تصنيف الناس جميعاً في خانة "اهل البحر" الظالمين، اليس مجدياً لكم وللاغلبية الصامتة في باقي انحاء السودان، تشكيل جبهة عريضة لعودة المؤسسات الديمقراطية، والحصول على ضمانات وتعهدات أكيدة باستتباب الأمن في دارفور وتنمية وتطوير الاقليم، بحيث لا تكون نسبتكم في الخدمة المدنية قريبة من صفر بالمائة، ونسبة المتعلمين أقل من 1 بالمائة، بل وأكثر من ذلك منح الأقليم "حكماً ذاتياً واسعاً" نظراً للظروف التي احاطت به وجعلت بعض اهله يحملون السلاح، وتخصيص ميزانية تنمية تكون هي الأكبر مقارنةً مع باقي الاقاليم.
أليس من الأجدى استلهام تجربة المقاطعات الالمانية، بل واستلهام ما حدث مع ألمانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، عندما قرر الألمان في ألمانيا الغربية "الاتحادية" استثمار اموال ضخمة في المانيا الشرقية لرفع مستوى اهلها اقتصادياً واجتماعياً حتى تصبح جزءاً من دولة واحدة.
والحجة التي سمعناها تلك الظهيرة من مناوي ورفاقه، بأنهم يفضلون البقاء ضمن الحكومة "حتى يمكن الضغط عليها من الداخل". وهذه الحجة هي التي سمعناها أيضاً من جبهات الشرق، وهي ايضاً التي سمعناها ونسمعها من الاحزاب التي كانت ضمن تحالف "التجمع الوطني الديمقراطي".
لكن لنعد جميعاً إلى كلمة سواء.
عندما تخوض أية قوة سياسية صراعاً ضد نظام سياسي، فإن انخراطها ضمن مؤسساته يستفيد منه النظام في اتجاهين، الاول اسكات مجموعة كانت تناهضه وتنازعه شرعيته، والاتجاه الثاني اضفاء شرعية يحتاج اليها، طالما أنه أصلاً جاء نتيجة انقلاب على مؤسسات شرعية.
وإذا كان الانخراط ضمن مؤسسات النظام مفيداً، كما قالت الحركة الشعبية بعد نيفاشا، وكما ستقول بعدها أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، وكما قالت "حركة تحرير السودان"، إذن لماذا تأتون كل ما حدث لكم خلاف داخل مؤسسات النظام لتجأرون بالشكوى من أن السلطة الحاكمة في الخرطوم لا تحترم اتفاقياتها وتعهداتها.
وفي سياق متصل، إذا كانت الأمور بلغت هذا الحد من الخلاف، لماذا تبقى حركة من حركات دارفور داخل مؤسسات السلطة الحاكمة في السودان؟ هذا السؤال بالضبط سألته مني أركو مناوي في ظهيرة فندق "هيلتون ارلنغتون" إضافة الى اربعة اسئلة اخرى، ولا أنكر أن الرجل كان لطيفاً ودمثاً وهو يحاول أن يجيب، لكن لسوء حظه لم يكن مقنعاً.
عن جريدة "الصحافة" يوم 13 مارس
مقالات سابقة
لماذ هنا ولماذا الآن
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1189
حكاية طالبة سودانية شاركت افتراضيا في الانتخابات الفرنسية
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1231
ماذا يضيرنا اذا اصبح السودان يوغسلافيا افريقيا
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1253
قادة الاحزاب لا يتقاعدون انهم زعماء لكل الأزمنة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1296
ما بعد الاستفتاء وما بعد انفصال الجنوب
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1372
جامعة الخرطوم ليست مثالاً يحتذى
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273
جامعة الخرطوم هلى هذا وقته
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1273
في دارفور لا احد يعرف ماذا يريد
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1429
السودان اصبح بلداً بلا أدباء
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1457
الخرطوم لم تعد تصلح عاصمة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1667
قبل ان يصطف الناخبون امام صناديق الاقتراع
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1682
عودة الاقباط الى وطنهم
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1742
ان تكون وزبراً في السودان
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1827
حكاية المركز والهامش بين كريمة وابوحمد ..والابيض والقضارف
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1858
الصحافة السودانية : التلفزيون جهاز للتبليد (1-2)
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1898
الصحافة السودانية: الكتابة ليست هي النميمة والشائعات (2-2)
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1918
هرولة السودانيين نحو قناة الجزيرة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1939
آن لهؤلاء الناس ان يعودوا الى وطنهم
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1882
الجنوب سيمضي الى حال سبيله ..لان العواطف لا تحقق وحدة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1970
الحياة جارية والتاريخ لم يصل الى نهايته بعد
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=1986
ثورة اكتوبر لن تطفئ جذوتها
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2009
ان يكون الاسلاميون جزء من مشهدسياسي آت
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2027
ويحدثونك عن التعامل مع اميركا
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2057
جواز سوداني تطارده اللعنات والاتهامات
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2082
السودان ومصر ومسألة الجار المقلق
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2106
لايمكن ان تكون سودانياً وسويديا في الوقت نفسه
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2132
اجزابنا السياسية تتوهم ان الماضي يصنع المستقبل
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2157
ثقوب نيفاشا غير قابلة للرتق
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2192
السودانيون مولعون بالسياسة لكن معظمهم لا يفقه معنى الدولة
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2192
عشرة ملايين سوداني في الخارج ..آه منك يازمن النزوح
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2274
نقاط فوق حروف الدكتور مطرف صديق
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2281
وحيد القون وصقر الجديان والالوان والاحزان
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2443
نقاش مع " الشيوعيين السودانيين"
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2469
سفارات السودان والتعامل معها
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2504
مجانية التعليم جعلت الصبية القرويين يركبون المصاعد الكهربائية
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2559
حسناً انهم لم يلقوا القبض على لاعبينا بتهمة التسكع
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2617
باراك اوباما و "هيومان رايتس واتش" يتحدثان عن دارفور وكجبار ومروي
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2687
نأكل مما نزرع شعار أكل نفسه
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2744
السودان البلد الوحيد في العالم الذي به خمسة وزراء
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2793
لنبتعد عن الاوهام واشنطن لن تطبع علاقاتها معنا
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=2881
عدل بواسطة administrator - 14 March 2008 at 1:20pm